عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

479

اللباب في علوم الكتاب

فانهزمنا ، فقلنا يا رسول اللّه : نحن الفرّارون ، فقال : « لا بل أنتم العكّارون » أنا فئة المسلمين « 1 » . وقال محمد بن سيرين : « لما قتل أبو عبيدة جاء الخبر إلى عمر فقال : لو انحاز إليّ كنت له فئة فأنا فئة كلّ مسلم » « 2 » . وقيل : حكم الآية عام في كل حرب ، ويؤيده قوله عليه الصلاة والسلام : « من الكبائر الفرار يوم الزّحف » والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السّبب . وقال عطاء بن أبي رباح : « هذه الآية منسوخة بقوله : الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ « 3 » [ الأنفال : 66 ] فليس للقوم أن يفرّوا من مثلهم فنسخت تلك إلّا في هذه العدة . وعلى هذا أكثر أهل العلم أنّ المسلمين إذا كانوا على الشطر من عددهم لا يجوز لهم الفرار إلّا متحرفا أو متحيّزا إلى فئة ، وإن كانوا أقلّ من ذلك جاز لهم أن يولوا عنهم وينحازوا عنهم » . قال ابن عباس : « من فرّ من ثلاثة فلم يفر ، ومن فرّ من اثنين فقد فرّ » « 4 » . قوله تعالى : [ سورة الأنفال ( 8 ) : الآيات 17 إلى 18 ] فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاءً حَسَناً إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ( 17 ) ذلِكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكافِرِينَ ( 18 ) قوله تعالى : فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ في هذه « الفاء » وجهان : أحدهما - وبه قال الزمخشري - : أنّها جواب شرط مقدر ، أي : إن افتخرتم بقتلهم فلم تقتلوهم . قال أبو حيان : « وليست جوابا ، بل لربط الكلام بعضه ببعض » . قوله وَلكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ قرأ « 5 » الأخوان ، وابن عامر : « وَلكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ » ، « وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى » بتخفيف « لكن » ورفع الجلالة ، والباقون بالتّشديد ونصب الجلالة ، وقد تقدّم توجيه القراءتين في قوله : وَلكِنَّ الشَّياطِينَ [ البقرة : 102 ] وجاءت « لكن » هنا أحسن مجيء لوقوعها بين نفي وإثبات . قوله : وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ نفى عنه الرمي ، وأثبته له ، وذلك باعتبارين ، أي : ما

--> ( 1 ) أخرجه أحمد ( 2 / 70 ، 100 ) وأبو داود ( 2 / 52 - 53 ) كتاب الجهاد : باب في التولي يوم الزحف حديث ( 2647 ) . ( 2 ) أخرجه الطبري في « تفسيره » ( 6 / 201 ) . ( 3 ) أخرجه الطبري في « تفسيره » ( 6 / 201 ) وذكره السيوطي في « الدر المنثور » ( 3 / 315 ) وزاد نسبته إلى ابن المنذر وأبي الشيخ . ( 4 ) ذكره السيوطي في « الدر المنثور » ( 3 / 316 ) وعزاه للشافعي وابن أبي شيبة عن ابن عباس . ( 5 ) ينظر : حجة القراءات ص ( 309 ) ، إتحاف 2 / 78 ، المحرر الوجيز 2 / 511 ، البحر المحيط 4 / 471 ، الدر المصون 3 / 409 .